داود بن محمد بناكتى ( فخر البناكتى ) ( تعريب : محمد عبد الكريم علي )
73
تاريخ بناكتى ( روضة اولى الالباب في معرفة التواريخ والانساب )
فلو جلست على وهم الريح فلن تجد لها ساحلا ، ولم يكن حتى للجاسوس فكرة وضع قدم النخيل للتجول على ساحتها . ولما انقضت خمسة أيام فلم تبق لخيولهم طاقة ولا ماء ، فودع هذا القطيع الحياة ، وقال : لقد تحقق غرضى وصار الأمر على ما أريد ، فبقى فيروز عشرين يوما بلياليها في تلك الصحراء ، وهلك جيشه كله ، وتخلص فيروز مع جماعة قليلة من هذه الورطة ، وانثنى عن استيلائه عن ملك خشنوار ، وأرسل شخصا لحكم الضرورة واستغفر عن كل ما حدث وطلب العذر ، فقال خشنوار : أصطلح معك وأرسلك إلى دار الملك بشرط أن نعين حدا كي لا تتجاوزه ، ثم أرسل إليه العلف والعلوفة والخلع ، وأمر أن يشيدوا منارة من الجص والحجر ، وأقسم فيروز بأنه لن يتجاوز هذه المنارة ولن يتعدّ وله ما وراء هذا الحد ، ثم أرسل فيروز إلى ولايته ، وبعد ثلاث سنوات تحركت في نفس فيروز الرغبة في الانتقام ، وأراد أن ينتقم منه على هذه المعاملة ، فجهز الجيش وقصد ولايته ، فقال الموابذة والعظماء : إن نقض العهد لا يليق بالملوك ، قال : لا أحنث في يميني ، وساق الجيش ولما وصل إلى هذه المنارة أمر أن تستأصل بحيلة وحملوها أمام الجيش وقال : لقد أقسمت أنى لن أتجاوز هذه المنارة ، ولما وصل الخبر إلى خشنوار علم أنه لا يستطيع أن يقاومه ، فأمر أن يحفروا خندقا في الطريق وأن يغطوا رأسه ، ولما تقابل الجمعان لحقت الهزيمة بخشنوار وتعقبوه ، وسقطوا جميعا في هذا الخندق وماتوا . شعر الظالم الذي أكل الشواء من قلب الفقير * وإذا نظرت فقد أكله من جانبه الدنيا عسل وكل من أكل منها كثيرا * فإن دمه يكثر ويصاب بالحمى ويلدغ إن هذه الحكاية عبرت لملوك الدنيا على تربية العبيد الذين حسنت سيرتهم واعتقادهم في الخوف والرجاء والشدة والرخاء ليجعلوها ترسا يدفعون به سيف الخطوب ، وأن يكونوا أوفياء في حياتهم ومماتهم ، وكانت مدة ملك فيروز ثمانية وعشرين سنة .